يوميات امرأة ذهانية: الجزء التاسع من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

يوميات امرأة ذهانية: الجزء التاسع من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

 هذه القصة حقيقية من وحي تجربة والدة آمال مع اكتئاب ما بعد الولادة وآثاره عندما يترك بدون علاج. في هذا الجزء تلقي آمال الضوء على خروج أسرتها من هذه الأزمة وتطور حياة أفراد الأسرة بشكل إيجابي. نرجو أن تقوم هذه السلسلة الواقعية على زيادة الوعي بقضية اكتئاب ما بعد الولادة وأهمية العناية بالصحة النفسية للمرأة

“أتُدرك حجم الدمار الذي قد تسببه المسامير المُثبتة حين تنفصل عن أماكنها فجأة بلا مُقدِّمات؟ ذلك هو منزل اهتزت أركانه لفقدانه ذلك المسمار..” الأم “

لم أتأخر يوماً عن مساندة من حولي، لطالما كنت السند والرفيقة ومصدر قوة لمن أحب. إلا في حالة فقدان الغاليين على قلبي أحد والديه، لا أملك أية قدرة على مواساة أحد فقد أحد والديه وخصوصاً الأم ذلك ليقيني أنه لا توجد كلمات تخفف حجم الخسارة.

 أصعب شعور قد يمر بأي شخص هو أن تصبح يتيم الأب أو الأم..

أو أن تكون لقيطاً لا رغبة لوالديك بوجودك معهم..

يا الله ما أصعب دور الأب والام في تناقض هذا العالم بين

” الكره والحب.. السلم والحرب. بين الدم والسم.. الحدود والوطنية.. القلب والعقل “

وما أصعب أن تقيم بداخلك محكمة..

سجانها قفصك الصدري.. ومتهميها أعز الناس على قلبك..

وأنت القاضي والمحامي..

أنت القانون والمنطق. وأنت من ستحكم بالعدل. ولكنك في نهاية هذه المعضلة لا تقدر على كرههم وسامحتهم من كل قلبك..

طوال الوقت كان هناك محكمة مقامة في تفاصيل حياتنا..

من الغلط؟ أين الغلط؟ هل نحن على حق أم نبالغ؟ هل يعقل أن هذه هي الحياة المكتوبة لنا؟لماذا قراراتنا بيد غيرنا؟..حتى أبسط قرار بحياتنا وهو وجبة طعامنا كانت مرتبطة بقرار لا يصدر منا..

أي مشوار ممكن أن نقضيه كان يجب أن نأخذ رأي عمتي وليس أمي.. لم تكن المشكلة في عمتي كشخص. لكن المشكلة كانت بنظام حياتنا..

“صنع القرار”..

” توهان المشاعر”.. “فقدان الشغف”..

” ضعف القلب”..”اسلوب الحياة”..

لم نر النور بعد أنا وأبناء قلبي “إخوتي “..

لا أملك القدرة على التوقف عن التفكير بهم هم لهم الاولوية في حياتي.. هم سبب في قوتي كل يوم..

لا يمكنني أن أتخيل نفسي أم لظني أني غير مهيأة نفسيا لأنجب طفل على هذا العالم لأنني ربما سأفقده من هوس خوفي عليه.. وما أنا بأكيدة منه أنني لن أحب أي أحد في هذا العالم كما أحب إخوتي

امتحاننا كان عظيم جدا. لكن إيماني يقول

” ليس من إنسان عظيم دون امتحان عظيم، وليس من إنسان عظيم دون ألم عظيم.”

الاستقرار..

هذه الكلمة كبيرة. هذه الكلمة عالم. هذا العالم لم نعش معالمه ولم نتعرف عليه..

الاستقرار وراحة البال..

بحثنا عنهما كثيرا لنعيش بسلام..

كيف نلم شتات ثمانية ضلوع لم يكن بينهم أي نوع اتصال.. الشريان الذي كان سببا في وجودهم في الدنيا هو بركتهم “أمهم”

والدي كان يشتري العقارات بالأردن ويعرضهم للإيجار ك دخل اضافي على الراتب. ونحن عشنا في منزلنا المتواضع بجوار عمتي.. كان منزلنا عبارة عن غرفتين وصالة كان يكفينا كطلاب جامعة عندما كنا ندرس وأخي الكبير كان لديه غرفة خاصة في منزل عمتي..

والدي كان يحترم رأي جدتي رحمها الله كثيرا ويحترم عمتي بحكم فارق العمر..

فكانت فكرة أن نستقل بمنزل لوحدنا شبه مستحيلة وذلك بسبب خوف والدي من حزن أمه واخته..

الجميع كانوا على يقين أننا لا نستطيع أن نتنفس بدون عمتي.. وأننا لا يمكننا تحمل مسؤولية أسرة ومنزل لوحدنا. شعور الامتنان الدائم والتقديس وأنه يجب علينا كل يوم أن نقف وقفة شكر لجميع الناس الذين حكموا حياتنا وإن كان من باب حسن النية. هذا الشعور لم يفارقنا. وكنا نسمعه يتردد على آذاننا كل يوم…

كنا نقدر جهود عمتي كثيرا ونعلم أنها تكن لنا حبا كبيرا ونحن أيضا نبادلها نفس الشعور كذلك الحال مع جدتي لكن ذلك لم يتعارض مع استمرار رغبتنا الجمة بالاستقرار والعيش بمنزل مستقل..

وهنا وجب اتخاذ قرار في لحظة تمرد ليتغير نمط حياتنا..

اشترى والدي شقة جديدة وكان من المفترض كالعادة ما إن تكون جاهزة حتى يتم عرضها للمستأجرين…ولكننا هذه المرة كنا صانعين قرار وقررنا أن تكون هذه الشقة بيت لنا مستقل كعائلة..

نعم نحن قادرين على العيش في منزل مستقل لوحدنا.. نحن لسنا عاجزين ولنا حق مثل باقي البشر بالاستقلالية.. بدون عرض عوائق سمعناها كثيرا مثل “أمكم.. طبيخكم.. غسيلكم.. الخ”

أنا وأختي قررنا خلال يوم الانتقال لمنزل مستقل نفكر بسؤال واحد فقط “إذا لم يكن اليوم ف متى؟!

أنا وتوأم وروحي كنا في الأردن وباقي افراد العائلة في الامارات كنا ننتظرهم في الاجازة الصيفية وقررنا أن تكون هذه الاجازة في شقتنا الجديدة. عش الحب الجديد..

ولم نأخذ شيئا الا ملابسنا. قررنا أن تكون بداية جديدة بعفش جديد وأثاث من اختيارنا. نعم لأول مرة هذه خياراتنا نحن..

وعاهدنا نفسنا أن نؤسس بيت كله حب ودفء وطمأنينة…

وضبنا حقائبنا وطلبنا من أخي أن يوصلنا للشقة.. تفاجأ أخي من قرارنا وسألنا كيف ستعيشون في هذه الشقة بدون أثاث ولا طعام ولا ثلاجة.. ابتسمنا وأخبرناه أننا سنتولى أمر أنفسنا. اتفقنا معه ألا ينتقل معنا وينتظر قليلا لتكون الصدمة أخف على عمتي والمقربين..

لم نخبر أحد برحيلنا وقرارنا وأعلنا للجميع خلال يوم أنه لقد أصبح لدينا منزل مستقل.. لن أنسى أصوات التهكم والسخرية ورهان الجميع أننا سنخسر ولن ننجح. لن نستطيع تدبر أمورنا لوحدنا أبدا..

.. لا أنكر أنه وجهة نظرهم فيها ما هو صحيح. لم نكن نعرف كيفية شراء مستلزمات المنزل. لم يعلمنا أحد من أين أو كيف نختار الخضار والفواكه. لم نعتمد على أنفسنا يوما فكيف سنعيش لوحدنا!

حتى ملابسنا لم نختارها حسب ذوقنا..

ستسألون في نفسكم “كيف درستم جامعة؟”

درسناها بخوف وقلق. بانعدام ثقة.. ليس من الضرورة أن يضع الانسان لافتة على جبينه عنوانها العريض “هنا شخص معدوم ثقة” هذا الشعور يرافقك من داخلك. لا أحد يشعر به سواك.. يدمر كل ما هو جميل.. ويفقدك الامل.. شعور الخوف الدائم من الخسار والفشل. من الكسر. شعور أنك مهما فعلت ستندم ومهما حاولت لن تصل. لماذا؟ لأنك ببساطة لن تستطيع لوحدك ويجب أن ترتجي مساعدة غيرك…

إلى أن وصلت لقناعة تامة أن الله معنا إذاً من ضدنا؟! وطالما رب العباد معنا لن نحتاج عباده وأنه سيسخر لنا الطيبين من عباده واصحاب القلوب الطيبة ليقين منا أنه لن يتركنا ارحم الراحمين تماما كما سخركم الله لي لتحبونني وتتفاعلوا معي بحب وأنتم لا تعرفونني الا من خلال حرف. الحمدالله دائما وأبدا..

مضى شهر تقريباً وكان منزلنا شبه جاهز.. والدي دعمنا كثيرا ولم يرفض استقلاليتنا. وأكد للجميع أن بناته قادرات على مسؤولية منزل.. وكان واثق جدا بنا رغم أن الجميع انتقد موافقته على عيشنا لوحدنا لأشهر قبل وجودهم ومجيئهم من الامارات. خصوصا أن أخي الكبير كان ممرض وكان دوامه مناوبة بأوقات مختلفة اغلبها كانت ليلية.. وتأخر أخي في انتقاله معنا حتى لا يكسر بخاطر عمتي.. بقي عندها شهر منذ رحيلنا.. كان يقضي فترة النهار معنا لتلبية احتياجاتنا وفي الليل يذهب للنوم عندها.. وهكذا مضت الايام وانتهينا من تجهيز منزلنا الجديد. وطلبنا من عمتي وجدتي أن ينتقلوا للسكن معنا وأن يعتبروه منزلهم الثاني لكنهم رفضوا تماما وأكدنا لعمتي أننا لا ننسى فضلها علينا ولن ننسى وأنها قدمت لنا خير نحمله العمر كله وانتقالنا لا يعني انفصالنا عنهم وإنما هو خطة لحياة جديدة ونمط جديد.. وأن يكون لدينا حياة خاصة وأسرار وخصوصية لا نريد لأحد أن يعلم ماذا أكلنا وماذا شربنا. ومن سيدوس بساط بيتنا إذا لم يحمل معه كل الاحترام لبركتنا فهو مطرود من حياتنا لا لازمة له..

ومضت ستة أشهر واستطعت أنا واختي أن نؤسس وأخيرا مملكتنا الخاصة بانتظار قدوم عائلتي على أحر من الجمر..

أول مملكة لنا بعد مرض بركتنا..

نحن مسؤولات عن تفاصيلها. غرفها.. طاولة السفرة. جمعتنا.. لمتنا..

وصلت عائلتي بخير وكانوا فخورين بنا جدا.. وأخيرا نحن عائلة كاملة في بيت واحد على سفرة واحدة.. عشنا في هذه المملكة ثماني سنوات.

خلال هذه السنوات توالى قدوم اخوتي لدراسة الجامعة.. بدأتها أختي الوسط ثم أخواني الأصغر.. لكن آخر العنقود رفض تماما دراسة الجامعة.. آخر اثنين كانا رافضين تماما للعيشة في الاردن وكانا يعتبرانها مصدر للذكريات السيئة.. لذلك كان حلمهم السفر إلى الخارج…

أنهى والدي مدة عمله وأحيل للتقاعد.. وحان موعد استقراره مع عائلته وهذه المرة دون سفر أو بعد وكان من الصعب جدا تجديد إقامته في الامارات بعد أن انتهت فترة عمله ٣٥ سنة أمضى والدي من حياته في الامارات كانت ولا زالت وطنا بالنسبة له. وهنا زادت عبء المسؤولية علينا. ويجب أن نتأقلم على مستوى معيشي معين براتب الضمان وإيجارات البيوت التي يملكهم أبي والملك لله..

أما بالنسبة لتعويض نهاية الخدمة

وبسبب طيبة أبي وغفلته خسرنا مبلغ ٥٠٠٠٠ دينار من تعويضه..

وأنا وأختي لم نستطع أن نستقل بعمل كانت مسؤولية البيت ملازمة لنا. لم يكن أحد منا يعمل إلا أخي الكبير..

دخلنا بمرحلة الروتين القاتل والنفسية المحطمة. كنا نحمد الله على كل شيء على الضراء قبل السراء..

ونردد بأنه يكفينا أننا مستورين ببيت وسقف يأوينا.. يكفينا أننا نأكل ونشرب بفضل من الله..

ثماني سنوات من حياتي بعد تخرجي لم أنجز فيهم شيء على الصعيد الشخصي..

نسيت دراستي ونسيت شهادتي فقدت شغفي. كنت دائماً أحلم أن لدي عيادة نفسية أساعد فيها من تمر بظروف نفس ظروف أمي. أين هو شغفك يا آمال؟ أين هي طموحاتك؟

أنا أؤمن كثيراً بالرسائل الربانية. ربنا لم يتركنا أبداً. كان دائما يبعث لنا رسائل من خلال آية أو موقف أو حتى إنسان..

كنت أدعو الله دائما ً ألا ينساني من رسائله ودعائمه. كنت أقول يا الله أرشدني دلني عندما اتوه نور دربي. اختر لي طريقي فإني لا أحسن الاختيار..

أعطني طريق النور يا الله..

وكالعادة لم تتأخر رسالته أبدا واعطاني خيط النور..

 أيقنت أن رفض بركتنا للعلاج سابقاً كان سبباً في اختيارنا للعلاج الصحيح وأنها كانت بانتظار العلاج المناسب والدكتور المناسب وتأخر علاجها لكنها الان تأخذ الجرعة الصحيحة والصحية وبطلب منها..

والدي تعالج من تأنيب الضمير وعاد لنا بصحة وعافية اللهم أعنا على برهم..

سألتموني “طيب شو تأثير مرض بركتكم عليكم… إنتوا قدرتوا تكونوا طبيعيين وتعيشوا حياة طبيعية”؟

الحمدالله أخي الكبير تزوج وأسس أسرة ورزق الله بركتنا بأحفاد.. أنا وخواتي معنا شهادات جامعية وكل يوم نقضيه في ظل عائلتي هو خير لنا..

 إخواني الأصغر حصة بركتنا لا تنساهم أبدا من دعائها..

ولو اجتمعن امهات الارض لن يعطوهم ربع عطفها وحنانها..

تصالحنا مع العالم. تصالحنا مع الناس. تصالحنا مع مرآتنا. أحببنا أنفسنا حالنا. رضينا بنصيبنا..

لم. ننتظر أي اعتذار عن أي أذية لحقت بنا. أتعلمون لماذا؟

لأنه

” ‏لم يكن العالم يملك أسفٌ حقيقي تجاه ما كان يفعله بنا، سوى أنه أهدانا رؤية هذا العالم بعينين بركتنا..

وما أجمل هذا العالم بمعجزنا..

ما أجملك يا بركتنا.. وما أجمل هذا العالم بوجودك..

“ممنونة لكن المشاعر الطيبة وتفاعلكن الرائع مع احداث حياتنا. انتظروا الجزء الاخير لمعرفة فرج الله وحكمته”

#يتبع

Share this article on Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on Twitter

انضمي للنقاش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *