يوميات امرأة ذهانية: الجزء السابع من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

يوميات امرأة ذهانية: الجزء السابع من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

هذه القصة حقيقية من وحي تجربة والدة آمال مع اكتئاب ما بعد الولادة وآثاره عندما يترك بدون علاج. نرجو أن تقوم هذه السلسلة الواقعية على زيادة الوعي بقضية اكتئاب ما بعد الولادة وأهمية العناية بالصحة النفسية للمرأة.

يقول  ﺃﻳﻤﻦ ﺍﻟﻌﺘﻮﻡ في رواية  ﺭﺅﻭﺱ  ﺍﻟﺸﻴﺎﻃﻴﻦ

ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻠﻄﺒﻴﺐ ﻣﺮّﺓ: ” ﺍﻻﻛﺘِﺌﺎﺏ ﺑﻮﺟﻪٍ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﺟﻤﻴﻞ، ﺇﻧّﻪ ﻳﺤﻔﺮ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻚ ﻓﺘﺮﻯ ﻧﻔﺴﻚَ ﺻﺎﻓﻴﺔً ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖْ ﺗﻨﻌﻜﺲ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺁﺓٍ ﺑﻠّﻮﺭﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﻟﻴﻞٍ ﻭﺍﺩﻉ، ﺇﻧّﻪ ﺣﻘﻴﻘﻲّ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻗﻨﻌﺔ ﺍﻟﻜﺎﺫﺑﺔ ﺍﻟّﺘﻲ ﺗﻠﺒﺴُﻬﺎ ﻳﺎ ﺩﻛﺘﻮﺭ .”!

يجب أن يتصف الطبيب النفسي أو المعالج بعيداً عن شهادته العلمية أو قدرته العلاجية بالإنسانية أولاً..

وصف دواء أو علاج نفسي لمرض مثل الذهان أو انفصام الشخصية أبداً ليس بالأمر السهل..

سنة ١٩٩٧..”منذ ولادة آخر أخ لي وبدء مرحلة الاكتئاب عند بركتنا انتهاءً بتشخيص حالة الذهان “

لسنة ٢٠٠٢” تقريباً مر خمس سنوات على مرض بركتنا بالوباء الذهاني..

عندما وصلنا إلى الأردن عمتي جزاها الله كل خير لم تقصر في سؤالها عن أشهر الأطباء في الأردن للعلاج النفسي..

وبدأت رحلة العلاج بأول دكتور وصف دواء لبركتنا بدون أدنى تحسن كان مثبط للأعصاب يبقيها بحالة كسل وخمول طوال اليوم ولديها رغبة دائمة بالنوم، بدون أي تحسن على تصرفاتها وما يأتي على ذكر حالة الذهان أبداً.

إلى أن قام أخي الصغير مرة بتناول جرعة من دواء امي، كره الأدوية التي تتناولها أمي وشعر بأن هذه الأدوية قد اخذت أمه منه. دخل في حالة إغماء وأسعفناه بغسيل معدة مستعجل..

آخر العنقود سكر حياتنا “أبو ضحكة جنان” بعد ولادته كانت بداية الدخول بالمرض. أمي خافت كثيراً وصابتها حالة هستيريا وقامت برمي كل أدويتها ورفضت تناولها تماماً واتهمتنا أننا نحن المرضى وبحاجة لعلاج لأننا تسببنا بأذى لابنها الصغير.

كنا نرفض تماماً فكرة أن أخي هو المسبب لهذا المرض ولم نسمح لأحد أن يشعره أنه بعد ولادته دخلت أمي بمرحلة اكتئاب ما بعد الولادة لأن الطفل يشعر ويخزن كل هذه المواقف ويمكن أن تؤثر على سلوكه عند الكبر.

كان جداً متعلق بأمي، وعندما وصلنا الأردن كان لا زال يرضع..

بركتنا كانت ترضع لمدة سنتين بالتمام.. قررت عمتي ووالدة أمي “جدتي” أنه وجب فطامه.. لأن الأدوية توثر على الرضيع كانت رافضة تماما لفكرة فطامه

لذلك قررت جدتي أن تبعد أمي عنه أسبوع وبقي صغيرنا معنا لكن امي لم تكمل اليومين حتى وجدناها الساعة واحدة منتصف الليل تدق الباب بحرقة جاءت لوحدها هاربة من منزل والدتها..

صارخة أين ابني يا ظالمين!

 آخر العنقود كان متعلق بها كثيرا.. كان يقسم حبة الشوكولاتة بينه وبينها ويرفض ان يأكلها لوحده..

وكان يرفض الذهاب للروضة لأنه رافض لفكرة فصله عنها.

بالمناسبة هو أكثر ولد مفضل لديها.

ولد قبل موعد ولادته بولادة مستعجلة قبل الشهر التاسع، لم يكمل السبع الشهور حتى ركل بطنها ليخرج مستعجلا الى هذه الدنيا.. والوحيد الذي ولدته بعملية قيصرية. الآن هو في العشرين من عمره

دائما له الحصة الاكبر من الطعام، ولا تنام قبل تواجده بالمنزل، وعندما نسألها لماذا تحبينه أكثر لماذا هو المفضل لديك؟ تجيب بابتسامة طفولية خجولة أنا أحبكم جميعا لكن جميعكم كانت ولادتكم سهلة وميسرة هو علمني معنى أن تخاف أم من فقدان طفلها وبمعجزة إلهية وتدخل رباني يمن عليه بالعيش والصحة  ..هو علمني أنني غارقة في كثير من نعم الله..

كيف لأم أن تنجب خمسة اطفال طبيعي والطفل السادس بعملية قيصرية كانت الاكثر صعوبة وألماً ونسيت كل وجعها عندما أتم الله عليه الخلفة الحسنة والصحة والتامة.

هو الذي علمني أنه أغلى ما في حياة الأم ضناها وتختمها بجملة “بعدين يا ماما انتو كبار بتدبروا حالكم هو مين بدو يدير بالو عليه غيري”

واستمر رفضها للدواء لسنوات..

لم تخل رحلة علاجها من تجارب الشيوخ والسحرة..

كل يوم كنا نسمع عن اقتراح جديد..

 جارتنا تقول بأنه سحر وقريبتنا تقول حسد. وكنا نأخذها عند أهل الضمير الحي من الشيوخ لعمل رقية شرعية.

جربنا كل شيء دون أي استمرارية لأنها كانت ترفض أن تلتزم بأي نوع علاج. لن اقول أسماء أطباء منعا للتشهير لكن صدقا انا أراهن على أن بعض مزاولين مهنة الطب النفسي يجب أن يجلسوا في المنزل أو يتم مقاضاتهم قانونيا بسبب الاستهتار في عقول المريض وذويه.. لقد عرضنا امي على أكثر من عشرين طبيبا لم يأت أحدهم على ذكر حالة الذهان.

والدي الحمدالله كان مقتدر مادياً وأسعار الأدوية النفسية مكلفة جدا لكننا كنا على استعداد لبذل كل شيء مادي ومعنوي لتتحسن حالتها..

تطور العالم وتطورت خدمات الإنترنت.

وصار البحث أسهل علينا..

بعد كل التجارب الفاشلة لم نيأس.

إلى أن وصلت لمرحلة الدراسة الجامعية..

وطبعاً اخترت مجال دراسة متعلق بالصحة النفسية لأستطيع من خلاله أن أساعد كل مريض.

وبدأت بدراسة العمل الاجتماعي بالجامعة الأردنية “أخصائية اجتماعية “

خلال دراستي الثانوية كنت الاكثر فشلا في دراستي ومعدلي لم يتعدى ال الستينات

بمرحلة الثانوية العامة اخترت الأدبي والجميع كان يراهن على فشلنا بسبب وضع امي وحالتها المرضية..

لكنني راهنت على هذه الام البركة بيني وبين نفسي وصار عندي إصرار كبير ان اثبت للعالم اجمع أن هذه الام يمكن ان تنشئ اولاد ناجحين..

والحمدالله الذي حاشاه أن يضيع لي مجهودا رفعت معدلي للتسعينات وكنت الثانية على الصف بفضل توفيق ربي ودعواتها ورضاها عني..

وبحكم دراستي الجامعية كان هناك فترات للتطبيق العملي وأشهر تدريب في مستشفيات المملكة النفسية.

ومن ضمنهم كان مستشفى خاص مشهور جداً لن أذكر اسمه “منعاً للتشهير”..

هو مركز للصحة النفسية وعلاج الإدمان يضم كادر طبي ضخم وكان فيه مرضى من جميع انحاء العالم حتى أنني قابلت الكثير من مشاهير العالم مستقرين في المشفى لدواعي الادمان او الهرب من الناس.

صابتني فرحة عارمة وتفاءلت كثيرا ان هذا المشفى ممكن ان يكون سببا في شفاء امي. اتصلت بوالدي واخبرته بالتفاصيل ولم يتردد بالقبول. والدي كان الاكثر صبرا عليها لم يكن يرفض لها طلباً لأنه كان يشعر بتأنيب الضمير لظنه أن سكوته كان سبباً في تطور حالتها للأسوأ..

 والدي أطال الله في عمره كان يكبت مشاعر حزنه كثيرا حتى أصابه مرض الضغط والسكري..

قال لي لا تترددي بأخذها وعرضها على اطباء المشفى. صباح اليوم التالي باكراً ذهبنا انا وامي وأخي الكبير سندي بعد أبي للمشفى..

ونصحونا الاطباء بوجوب دخولها فورا لمدة اسبوع على الأقل..

ومنعوا عنها الزيارة أول أيام..

طلبنا منهم أن يجعلوها بغرفة خاصة دون مرافقة اي مريضة أخرى في الغرفة.. الليلة في المستشفى تكلفتها ١٢٠ دينار أردني أو أكثر

وبعد أول زيارة لها كانت الصدمة..

كانت هادئة بشكل مخيف عند المرفق اثار ضربات زرقاء من الابر..

استنجدت بنا راجية منا ان نعيدها معنا إلى المنزل…

كانت تؤكد على أنها ليست مجنونة وأنها تحبنا كثيراً ولن تؤذينا وبكت أمامي قائلة لن أسامحك أنت السبب في إحضاري إلى هنا.. طمأننا الطبيب على حالتها وأخبرنا بأن هذه الشكاوى طبيعية وعادية وألا نتصرف بعاطفة ونكون صارمين اكثر وأنها عندما تشفى سننسى كل هذه المشاعر وستغدو كلها ذكريات في طي النسيان..

بعد ثلاثة اسابيع كان موعد قدوم الوالد لزيارتنا من بلد الغربة..

 كان متوقع نسبة علاج لو ٢٠٪..

يا للأسف تحولت حالتها إلى أسوأ مع نظرات غضب واحتقار وحملتنا مسؤولية حزنها وملأتنا تأنيب ضمير لما فعلناه بها..

عادت الى المنزل وهي تهدد بالانتقام. لكننا كنا موقنين أنها لن تؤذينا..

لكنها تعبر عن حجم الصدمة بداخلها لما فعلناه بها..

بركتنا طوال فترة مرضها رغم كل المراحل التي مرت بها إلى انها لم تؤذنا يوما أذية جسدية ولم تضربنا ضرباً مبرح..

كانت تصرخ تكسر تهدد لكنها لم تكن مصدر أذى بفضل من الله وكرمه.

والدي كان قد فقد الأمل تقريباً من علاجها. لكنه لم يكن يظهر ذلك كان يسايرنا بمشاعرنا حتى لا نصاب بالخيبة. لكنه أصر على أنه يجب أن نتقبلها كما هي. كان يقول لنا أنا أحبها كما هي واعتدت عليها كما هي الآن وأنتم ايضاً اعتادوا عليها كما هي..

عندما وصلنا انا وأختي لمرحلة أنضج وأكبر جلسنا مع والدي وأخبرناه انه من حقه ان يتزوج ولا يحق لنا حرمانه من هذا الحق الشرعي. لكننا قبل أن نكمل كلامنا كان يسكتنا ويقول ظفر أصغر واحد منكم لا أفرط به بالكون أجمع

أنتم عوضي ودنيتي وهدية صبري وطريقي للجنة في الآخرة..

والدي كان يعتبر العائلة اهم شيء في حياته. هو بطبعه يحب المنزل كثيرا كان يرتدي اجمل ما لديه ويتعطر بأحلى عطر ويجلس مع امي وهي بأسوأ حالاتها يقدم لها الفواكه ب يديه وكان يعاملها كالطفلة أحياناً..

كانت طلباتها بسيطة وبريئة، تحب الذهاب للملاهي كثيرا وتطلب ان يشتري لها شعر البنات، وتختمها المشوار بآيس كريم بطعم الحليب والفراولة..

من معجزة ربنا الإلهية ورحمته

 وحسب ما قال لنا الدكتور الوحيد الذي شخص حالة والدتي بمرض الذهان والذي كان المخرج الاخير لنا رزقه الله الصحة والعافية “الدكتور غازي الصالح”

في اول معاينة كانت لها عنده..

سألها ما اسماء اولادك..

عددتنا بالاسم..

ثم سألها: أتحبينهم؟

قالت هم أغلى من روحي..

 هل تضربينهم؟!

 قالت يا دكتور أنا مثل اي ام قد أضربهم لمصلحتهم لكنه لم ولن أضربهم ضرباً مبرحاً..

ضحك الدكتور والتفت الينا انا واختي وقال يا ابنتي والدتكم مريضة ذهان  درجة أولى..

لو رأيتم سوء الحالات المتقدمة لهذا المرض لحمدتم الله ليلا نهارا على نعمة امكم.. على الاقل امكم تستطيع التمييز بينكم وتعرف أسماءكم ولم تعرضكم او تعرض نفسها بأي اذى جسدي. هناك بعض الحالات التي تمشي في الشارع ليلا دون ادراكها ذلك.

 أمكم تحب الحياة وتحبكم وواضح انها كانت إنسانة مؤمنة..

أمكم ستتحسن حالتها بإذن الله دون أن تشعروها انكم تتعاملون مع حالة مرضية..

قلت له يا دكتور لكنها احيانا تصلي بدون وضوء لكنها لا تقطع فرض إلا انها لا تصلي بالشكل الصحيح…

سألني إن كانت تقرأ القرآن اجبته أنها تختمه كل فترة خلال أسبوع وأغلب تمتماتها ذاكرة لله، وعلمتنا كلمة ما شاء الله ترددها قبل كل عبارة..

ابتسم الطبيب وقال لها

 ” يا حجة إنت عاملة بحياتك إشي كبير عظيم ونيالك ب مكانتك عند الله..”

بعد ١٥ سنة معاناة بعد ١٥ سنة قهر وكبت..

بعد ١٥ سنة كل امتحان كان أصعب من التاني

وبين مد وجزر..

وبين خوف وألم..

وبين مجزرة وحرب..

ونهاية معركتنا مع هذا المرض كان انتصار عظيم والحمدالله بعد وصفة هذا الطبيب الرائع للعلاج..

أصبحت بركتنا أكثر هدوء وركازه.

 تفكر قبل ان تتكلم.. لم تعد لتمتماتها قبل النوم.. خفت كثيرا حالات الضحك المفاجئة وأذية الناس.. غدت انسانة طبيعية ب نسبة ٨٠٪..

استمر عندها هوس التكرار تكرار السؤال الدائم..

“متى موعدكم، متى امتحانكم، من ستقابلون، من اتصل، إلى أين ستذهبون”

تكرر المعلومة كثيراً..

كثيرا كن الاوقات نتعمد ان نخفي عنها بعض الاخبار والاحداث..

 ونتحدث انا واخوتي باللغة الانجليزية وحتى لا نشعرها أننا نخفي شيئا ندعي أننا نتعلم اللغة الانجليزية.

من أعراض ادويتها الجانبية الشراهة في الطعام لذلك سب لها ذلك زيادة كبيرة في الوزن..

ونقصان أي دواء قد يحدث خلل فوري في تصرفاتها..

يُقال “إن الله يعطي أصعب المعارك لأقوى جنوده.”

وأنا مؤمنة ببركتنا ومؤمنة انها من جند الله الأقوياء وأن الله سيدخلها جناته بلا حساب..

هي بطلتنا ورزقنا. هي رضانا. هي سبب أننا صامدين إلى الآن…

سامحنا الله على تقصيرنا معها قبل البلوغ وقبل الوعي كانت بركتنا مفروضة علينا ولم يكن سهلاً علينا تقبلها..

وبعد الوعي بكامل قوانا العقلية ولو خُيِّرنا للمرة المليون لاخترناها أم بكل فخر..

وكل الذي عشناه من ألم تحول إلى أمل..

وبما ان بركتنا سمتني آمال..

وعدي لها أن أكون اسم على مسمى..

وآلامي ستصبح طريق لتحقيق آمالي..

ولن أطلب منك يا الله حملاً أخف بل كتفين أقوى.. فأنا على يقين أن

” الألم ثَمَرَة.. واللهُ لا يَضَعُ ثِمارًا عَلَى غُصْنٍ ضَعيفٍ لا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلَها”

 

Share this article on Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on Twitter

انضمي للنقاش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *