يوميات امرأة ذهانية: الجزء العاشر والأخير من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

يوميات امرأة ذهانية: الجزء العاشر والأخير من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

 هذه القصة حقيقية من وحي تجربة والدة آمال مع اكتئاب ما بعد الولادة وآثاره عندما يترك بدون علاج. في ختام هذه القصة تشاركنا أمال التحول الإيجابي في حياتها وحياة أسرتها بعد مشوارهم مع معاناة والدتها. نرجو أن تقوم هذه السلسلة الواقعية على زيادة الوعي بقضية اكتئاب ما بعد الولادة وأهمية العناية بالصحة النفسية للمرأة

“ما قد يبدو لك خسارة قد يكون هو بالتحديد الشيء الذي سيصبح فيما بعد مسؤولاً عن إتمام أعظم إنجازات حياتك.”

فليس من إنسانٍ عظيم دون امتحانٍ عظيم، وليس من إنسانٍ عظيم دون ألمٍ عظيم..

لدي إيمان من خلال رحلة عمري..

أنه لكل سبب سؤال..

ولكل سؤال رسالة ربانية..

 ولكل صدفة غاية.. ولكل شخص نقابله فائدة..

كلما مررنا بمقولة أو كلام أثر بنا. علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً..

لماذا أراد الله أن نمر بهذه الرسالة.. لماذا أنا أرى هذا الكلام؟!

ومحظوظ هو من فاز بفهم رسائل ربنا إليه ولم يهملها، ويا ندم من تغاضى عنها..

لم أكن أعرف أن تراكمات سنين حُفرَت في رحم الذاكرة يمكن أن تُشفى عند بوحي بها لتتلقوها بقلوبكن بكل حب..

يُقال يجب أن نتوه في العتمة لنعرف قيمة النور.. وأنا عشت أنفاقاً كثيرة نهايتها كانت نور على نور..

نحن اليوم نضجنا بسبب الماضي.. وتراكمات الماضي ما هي إلا سبب في كينونتنا وشخوصنا..

 ذكريات طفولة ومراهقة وشباب..

آلامنا وطموحاتنا وأحلامنا وضحكاتنا.. جميعها تصب في نهر كياننا، كيان إنسان.

كلما كبرنا قرأنا نضجنا اتعظنا من تجاربنا. ونوقن في النهاية أن العلاج المثالي لأوجاع القلب هو الضحك وعدم أخذ الذاكرة على محمل الجد”

علينا أن نتذكر فهذه الذاكرة هي مصدر نمط حياتنا اليوم، لكن لا يجب أن نعيش على أنقاض الماضي وندب الحظ وألا نجعل ظروفنا شماعة نعلق عليها أسباب فشلنا.

بعد انتهائي من دراستي الجامعية لم أُوفق بالحصول على عمل واستسلمت للكسل..

كنت أستقبل كل سنة بعبارة “السنة الجاي بغير إن شاء الله”

ومرت سنة وسنتين وثلاث وأربع وأنا على نفس الحال..

حتى انقضت سبع سنوات من حياتي وأنا آكل وأشرب وأنام لا أفعل شيئاً زائداً على ذلك..

كنت أقول في نفسي في محاولة لتخفيف شعور اليأس والتخاذل..”بكفي مسؤولية البيت على كتافي..بكفي إني بطبخ وبهتم بعيلتي ” إلى أن أصبحت تفاصيل حياتي روتينية معادة مملة لا جديد فيها..

دعيت الله بكل رعشة قلب أن يبعث لي برسالة تهز عرش أركاني وتغير حالي..

قدمت لكثير من المؤسسات للعمل ولم أوفق في أي اختيار..

صديقاتي في الجامعة أغلبهن تزوجن وتوفقن في الحصول على عمل كانت حياتهم مليئة بالتعب والانشغال إلا أنا.. ما زلت على حالي.. دخلت في دوامة وأسئلة أين دوري؟ ماذا أريد أن أكون؟ أين ذهبت طموحاتي؟

لم يكن لدي أدنى قبول أو رضا عن نفسي.. في يوم من الأيام كنت أمسك الجريدة وأبحث عن عمل إلى أن قرأت عن افتتاح أكاديمية جديدة للتجميل دورة ممكيج وكوافيرة..

وأنا كنت من هاويات التجميل منذ الصغر.. انشرح صدري للخبر وشعرت أن هذه رسالة ربانية لم أتردد بالاتصال وكانت الدورة الأولى لا زال التسجيل فيها مفتوح .. لم تتردد عائلتي في دعمي لكن والدي نصحني أن أسجل بالدورة وممارسة هوايتي دون إهمال شهادتي الأساسية وشغفي الأولي وهو علم النفس..

خلال سنة ولله الحمد حصلت على شهادة ممكيج وكوافيرة تعلمت أغلب ما يخص التجميل..

تفاجأت باتصال من صديقتي تخبرني فيه عن إعلان عن دورة عالمية للتجميل في أنطاليا “تركيا ” ابتسمت وقلت لها مستحيل أهلي لن يقبلوا بسفري لوحدي .. في الحقيقة لم أكن أعلم ما إذا كانت حقا هذه الفكرة مرفوضة لديهم أم لا لأنني لم يسبق أن طرحت هكذا موضوع من قبل.. وكانت الصدمة موافقة أخي وأبي ودعمهم لي واقتراحهم مرافقة أختي لي في السفر..

الفرحة غمرتني وعاد لي شعور التفاؤل بالحياة من جديد..

كانت مدة الدورة أسبوع وخلال ثلاثة أشهر يجب دفع رسومها.. لذلك أصريت على عائلتي وأخبرتهم برغبتي بدفع رسومها من تعبي وجهدي الخاص..

وأنا طبعاً لم أكن أعمل بعد..

كانت رسوم الدورة ٣٠٠ دولار للشخص الواحد ويحب تجميعها خلال ثلاثة أشهر.. ألهمني الله بفكرة “صالون ديلفري” توفير خدمة صالون متنقل في الأردن يقدم خدمة التجميل في أنحاء المملكة.. وانطلقت بالفكرة من خلال صفحة فيس بوك وإعلان ممول. وحتى تعم الفائدة ويطرح الله لي البركة بمشروعي وضعت اعلان لربات البيوت المبدعات في التجميل لكن ظروف الحياة لم تسمح لهن بالعمل والحصول على شهادة. وتبارك الرحمن وفقت بأجمل مختصات في البروتين والشعر والمكياج.. أخي الصغير كان يوصلني للبيوت ويأخذ بدل خدمة توصيل وبالتالي هو أيضا أصبح لديه راتب مخصص..

الحمدلله حتى يبلغ الحمد منتهاه تقاسمنا الرزق النص بالنص.. وعم الخير بفضل من الله علينا جميعاً كفريق.. وحجزت بالدورة وسافرت إلى أنطاليا مدينة الجمال.. ووقعت في عشق هذه المدينة الرائعة وكنت بالفعل محتاجة لغسيل روحاني بجمال الطبيعة وسحر البحر..

عدت إلى منزلي وبقلبي غصة وحسرة.. ولم أتوقف عن مدح هذه المدينة وجمالها لعائلتي..

جلست مع والدي وناقشته قائلة أنت متقاعد وليس لديك عمل هنا وكل ذكرياتنا السيئة هنا. تعال لنبدأ حياة جديدة بذكريات جديدة تكون أولى خطواتها في أنطاليا..

ورغم أن والدي عادة ما يفكر ألف مرة ويتردد ألفين مرة قبل اتخاذ أي قرار.. اقترح علينا أن نستخير وأن الله مؤكد سيختار  لنا الأفضل..

كان والدي قد عرض منزل للبيع في الأردن وخلال سنة لم يأته أي عرض مناسب للبيع.. في نفس أسبوع الاستخارة اتصل أحد المشترين وعرض سعر مناسب ولم يتردد أبي بقبول العرض.. وأنا في كل مرة أحمد الله ألف مرة..

لم يترك لي دعاءً معلقاً بين السماء والأرض إلا رفعه الله باستجابة حاشاه أن يخذل عباده.

خلال شهر تقريباً حجزنا التذاكر وسافرنا دون أي تخطيط أو تفكير.. كانت الخطة الوحيدة والأمل الوحيد هو أننا سنبدأ من جديد يداً بيد ومعاً سنتخطى كل الصعاب بإذن الله..

كنا نظن أن التأقلم في تركيا سيكون صعباً علينا وأننا لن نقدر على العيش بظروف مناسبة بسبب اللغة وأن بركتنا ستشتاق لعائلتها لأنها كانت شديدة التعلق بهم وهذا سيخلق لها أزمة نفسية. لكن بفضل من الله تيسر كل عسير.. بداية قمنا بشراء شقة بسعر مناسب الحمدلله السعادة غمرت بركتنا وكانت طبيعة المدينة الخلابة سبباً في استقرار نفسيتها..

بعد علاجها واستقرار حالتها أصبحت تصر على مساعدتي في المطبخ وتعلمني طبخاتها والنكهات المناسبة..

وكنت حريصة على جعلها دائما سيدة المطبخ حتى لا تشعر بأي نقص. كانت تحب متابعة قنوات اليوتيوب الخاصة بالطبخ..

واقترحت على أن أقوم بإنشاء قناة على اليوتيوب لنشر وصفاتها وأكلاتها وبدون تردد وافقتها الرأي..

 أتشرف بكن غالياتي بقناتي المتواضعة سيكون الرابط أسفل المقال..

مضت سنة على وجودنا في تركيا الحمدلله الحال من أفضل ما يكون..

حاليا أنا أعمل بنفس فكرة الصالون المتنقل وتعرفت على أجمل الزبائن هنا من جميع الجاليات العربية.. وأمي رفيقتي في كل ساعة عمل لتعطيني الخير بدعائها وكل منزل دخلته هذه البركة نشرت به حبها وتبادلت الود مع زبائني. جميعهن ينادينها بالوردة والحب والأم الحنون.. هي درع حمايتي هي سندي هي السبب الحقيقي بنجاحي.. أما أنتن يا غاليات

لا تيأسوا…ولا تفقدوا الأمل..

أمي أسمتني آمال وليس أمل واحدة..

وأنا قررت أن أجعل اسمي على مسمى لكل من تعاني من الاكتئاب.. إلى كل أم تعاني بصمت في ظل صعوبات الحياة..

 اصرخي عندما تشعرين بنقص القوة وعدم التحمل هذا لا يسمى دلع…واطلبي المساعدة، ولا تخجلي واطمئني أنتِ لستِ لوحدك  ..نحن معكِ ♥

Share this article on Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on Twitter

انضمي للنقاش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *