تجربة ناجحة في تشجيع الأطفال على القراءة

تجربة ناجحة في تشجيع الأطفال على القراءة

اقرأ؛ هي أول كلمة نزلت بالقرآن الكريم، ومن هنا سأبدأ. فالقراءة غذاءٌ للروح والعقل، وهي مصدرٌ من مصادر الفرح الإنساني، والقراءة أيضاً نبعٌ لا ينضب لغذاء المخيلة عند الكبار والأطفال، القراءة هي الحياة، بل هي عدّة حيواتٍ معاً تستطيع عيش مغامراتها من خلال كتابٍ فقط! القراءة هي خليطٌ من مشاعر الفرح والحزن والحب والبهجة والخوف والرهبة والأمل والإنجاز والكآبة والإيمان.

 ذلك الشعور الذي أشعر به عندما أمسك بين يدي كتاباً جديداً، عندما أبدأ بتقليب صفحاته، فتفوح رائحة الورق الجديد لتصل إلى خلايا الدماغ، مخلفةً فيه شعوراً من النشوة، ذلك الحماس الذي يدفعني لأبدأ بقراءة الصفحة الأولى متلهفةً للتعرف على شخصيات الكتاب وكأنهم أصدقاء قدامى، ذلك الفرح الغامر عندما أمتلك -–بعد طول انتظار -–نسخةً من كتابٍ أنتظرت ولادته شهوراً. كل هذا دفعني شخصياً للبدء بالقراءة من عمرٍ صغير، وحتى هذا اليوم لم أنقطع عنها، فلا شيء في هذه الدنيا يهدئني كالكتاب، لذلك أحرص دائماً على اقتناء المزيد والمزيد من الكتب، وقراءة المزيد والمزيد من الصفحات.

نقلت دون وعيٍ مني حبي للقراءة لأطفالي، فابنتي “شام” ذات الثمانية أعوام دودة قراءة، فدائماً ما أراها ملاصقةً لكتابٍ ما، تعتبره رفيقها في كل الأماكن التي تتواجد بها، تقتل به كل وقت فراغ مهما قصر أو طال، وما أن تنتهي من قرائته حتى تتناول كتاباً آخر.

أغلب الأشخاص في محيطي من أقارب وأصدقاء، طرحوا علي سؤالاً واحداً، كيف أشجع طفلي على القراءة، لذا كتبت لكم هذا المقال لأعطيكم بعض النصائح التي طبقتها على نفسي وأطفالي أولاً، علّها تكون بصيص نورٍ لدى أحدكم.

1| ابدأي بالقراءة لطفلك بعمرٍ صغير وبشكلٍ يومي.

أذكر في أواخر أيام حملي بطفلتي الأولى، ومع إنتهاء التسوق لما قد تحتاجه الطفلة من ملابسٍ وحاجيات، عندما أشتريت كتاباً يحتوي على 365 حكاية ٍ قصيرة، حكاية لكل يوم، وبالفعل بدأت بالقراءة لطفلتي منذ أيام عمرها الأولى، فكنت أتناوب أنا وزوجي على قراءة حكاية اليوم كل ليلة. مهما كان عمر الطفل صغيراً إبدأي بالقراءة له بشكلٍ مستمر، إجعليها عادة لديه، سيكبر طفلك وتكبر هذه العادة معه، وستمر الأيام ويتبادل طفلك الأدوار معك، وسيبدأ بالقراءة لكِ كما تقرأين له تماماً.

حتى لو لم تكوني بدأتي معه بعمرٍ صغير، وحتى لو أنك لم تبدأي إلى الآن، فهذا أمرٌ طبيعيٌ وعادي. لا تيأسي بل ابدأي من اليوم، بغض النظر عن عمر طفلك فقط إبدأي واجعليها عادة يومية، عادة ستنمي وتغذي حب القراءة لدى طفلك من دون مجهودٍ يذكر، فأن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً.

2| كوني القدوة والحافز الأول.

الأطفال كائناتٌ فضولية ولماحة وذكية، يقلدون آبائهم ويتقمصون شخصياتهم، فهم يعتبروننا نحن الآباء مثلهم الأعلى، فنراهم يقلدون طريقة كلامنا ويتسخدمون مصطلحاتنا، بل ويتقمصون شخصياتنا ومشاعرنا ويقلدون معظم أفعالنا.

فإحرصي دائماً عزيزتي الأم على القراءة أمام أطفالك، سيدفعهم فضولهم نحوكِ لإستكشاف الذي تقومين به، وستنطلق ألسنتهم بشتى الأسئلة “ما هذا؟ ماذا تفعلين؟ لماذا تقرأين؟ عن ماذا يتحدث هذا الكتاب؟…..الخ”. مرة بعد مرة، ويوماً بعد يوم ستجدينهم يقلدون فعلك هذا، وستجدينهم يتفحصون كتبك بعيونٍ فضوليةٍ بريئة، يطوقون للمسها وفتحها والنظر داخلها.

أنت الحافز الأول لأطفالك وأنتي المثال الأعلى لهم، إقرأي لتشجعيهم على القراءة، واستمري لتحفزيهم على الإستمرار.

3| علمي طفلك احترام الكتاب.

ما أن يبدأ طفلك بالقراءة، سواء كفعلٍ فطريً أو مكتسب، حتى يقع على عاتقك مسؤولية تعليمه أن يحترم الكتاب. فالكتاب يوضع في مكان مخصص له، والكتاب لا يُمزّق ولا يُرمى على الأرض، ولا ندوسه بأرجلنا، الكتاب ليس وسيلة لتفريغ الغضب بل هو وسيلة تعليمية تُثري الخيال وترفع مستوى السعادة. إذا احترم طفلك الكتاب سيتعلق به أكثر، وإذا حرص على المحافظة عليه سيصبح صديقه المقرّب.

ثابرتُ على بناء علاقة وطيدة بين أطفالي والكتاب، وحرصتُ أن تكون هذه العلاقة علاقة متينة وثابتة وأساسها الإحترام، وما أن نجحت ببنائها حتى أصبح أطفالي يتعاملون مع الكتاب ككنز! يبحثون فيه عن أي معلومة وفائدة ومتعة تُثري عقولهم دون وعيٍ منهم. ووصلتُ لنتيجةٍ ثمينة، إذا أحترم الطفل الكتاب، سينظر له بعين الهيبة، وسيعامله كما يعامل معلمه المثابر، وسيزيد حبه وتعلقه به أكثر.

4| إصحبي طفلك إلى المكتبة.

دعي طفلك يتعرف على هذا المكان الرائع الذي يحوي الآلاف والآلاف من الكتب، فكما نذهب إلى المراكز التجارية والحدائق، وكما نجتمع مع الأصدقاء بشكلٍ أسبوعي، وكما وضعنا نظاماً معيناً للتعرف على الأماكن الترفيهية وزيارتها في العطلات، سنفسح مجالاً لزيارتنا الأسبوعية أو الشهرية إلى المكتبة.

أذهبُ وأطفالي بشكلٍ روتيني إلى المكتبة القريبة من المنزل، وأسمح لهم بإستعارة الكتب في بعض الأحيان، فذلك يعلّمهم المحافظة على الكتاب وتحمّل مسؤولية إعادته كما أخذناه تماماً، وأيضا ينمي مهاراتهم في التعامل مع الناس.

حاولي أن تخصصي مبلغاً محدداً لشراء الكتب لطفلك بشكل شهري، وإسمحي له بإختيارها، حددي خياراته بما يتناسب مع عمره، دعيه يعيش هذه التجربة الجميلة لتصبح المكتبة مكانه المفضل.

في أحد الأيام وفي أحد المراكز التجارية التي تحتوي على مكتبة إلى جانب المحال التجارية، غابت عيني عن طفلتي للحظة فأضعتها! نظرتُ بذعرٍ في الأرجاء فلمحتُ المكتبة، هرعتُ إليها لأجد طفلتي تفترش الأرض وفي يدها أحد الكتب مستغرقةً في قرائته، كم جعلني هذا الموقف المرعب فخورة وسعيدة بها! فنتيجة لمحاولاتي وتشجيعي لأطفالي أصبحت المكتبة مكانهم المفضل.

5| اختاري سلسلة قصصية/كتب تتناسب مع عمر طفلك.

حتى تستطيعي أن تلفتي إهتمام طفلك إلى كتابٍ ما، يجب أن تحددي خياراتك في سلسلة قصصية تتناسب وعمره وإهتماماته وشخصيته، فمن غير الوارد أن يقع الطفل بحب كتابٍ بعيد كل البعد عن إهتماماته، أو لا يتناسب مع مرحلته العمرية.

فإحرصي على إقتناء الكتب القماشية ذات الألوان المبهجة والأصوات المثيرة للأطفال دون السنة، ثم الكتب ذات الصفحات والكلمات المعدودة للأطفال دون السنتين، ثم الكتب التي تحتوي على كلمات أكثر وصور أقل…الخ. وإذا وجدتي كتاباً يتحدث عن الرسوم المتحركة المفضلة لطفلك فلا تترددي بإختياره.

مع مرور الوقت ستعرفي بشكلٍ أفضل ما يفضله طفلك، وستصبح لديك قدرة أكبر على تخمين الكتاب الذي سيحبه ويناسب شخصيته.

ملاحظة مهمة:

عزيزتي الأم، من المهم جداً أن تقومي بقراءة الكتاب قبل أن تقدميه لطفلك، حتى تتأكدي من أنه لا يحتوي على مواضيع بعيدة عن أسلوب حياتكم ومعتقداتكم التربوية، وحتى تحرصي ألا ينفر طفلك من كتابٍ يحوي كلمة نابية أو صورة غير مناسبة. ما أن تتأكدي من المحتوى، قدمي لطفلك الكتاب بكل حب، ودعيه يغوص في أعماقه مغذياً عقله ومخيلته.

6| ناقشي الكتاب مع طفلك.

حتى تتأكدي من حصول طفلك على أكبر متعة وفائدة من القراءة، فمن الجدير بكِ أن تتناقشي وطفلك بأسلوبٍ بسيط جداً بالكتاب الذي قرأه، كأن تقومي بسؤاله عن رأيه بالكتاب، رأيه بالشخصيات، من البطل بنظره، كيف سيتصرف لو كان مكان البطل أو مكان أحد الشخصيات، أي شخصية الأقرب لقلبه ولماذا…. الخ.

أسئلة بسيطة ستجعل طفلك يستمتع أكثر بما يقرأ، وستعزز العلاقة الرائعة بينكما، فقط ناقشيه مرة وراقبي فضوله لقراءة المزيد ولهفته لمناقشتك في كتبٍ أخرى.

7| ضعي كتاباً في كل مكان يتواجد فيه الطفل.

فكتاباً بجانب سريره، وآخر بالسيارة، كتاباً بحقيبته المدرسية، وكتاباً بجانب التلفاز، وفي كل مكان ممكن أن يتواجد فيه الطفل، أحيطيه بالكتب دون أن تجبريه على قرائتها، سيقوده فضوله لها واحداً تلو الآخر. مهما طالت محاولاتك فلا تيأسي، فستقع عينه على الكتاب المناسب، وسيقع بحب كتاب معين ولن يتوقف عن القراءة بعد ذلك. عليكِ فقط أن تحفزيه وتشجعيه دون إجبارٍ أو ترهيب.

من تجربتي مع أطفالي، كانت هذه النصائح الأنجح والأسهل، فأطفالي يعشقون القراءة ويستغلون أي وقت فراغ لتناول أحد الكتب والبدء بقراءته.

أرى نظرات الدهشة أحياناً في عيون الناس عندما يرون ابنتي تقرأ في قاعة الإنتظار لعيادة الطبيب، أو في حافلة المدرسة، أو السيارة وحتى قبل النوم. معلمة ابنتي بعثت لي برسالة شكرٍ ودهشة قائلة فيها: “شكراً أنك غذيتي حب شام للقراءة، فهي تستغل كل فراغٍ بين الحصص بقراءة ما يفيد”.

هذا لا يعني أن أطفالي لا يلعبون أو لا يتفاعلون مع أقرانهم، على العكس تماماً! فهم أطفال طبيعيون مليئون بالنشاط والحيوية والطاقة، ولكن حبهم للقراءة يميزهم قليلاً ويضيف لوناً آخراً لشخصياتهم. فخورة أنا بهم جداً بل وسعيدة بإنجازاتهم القرائية، لهذا أكتب لكم اليوم، حتى تشعروا بما أشعر من فخرٍ وسعادة عندما ترون أطفالكم يقرأون، وحتى نتعاون بتنشئة جيلٍ يقرأ ويبحث ويستفسر، فالقراءة تفتح عالم المعرفة، تثير الفضول وتغذي المخيلة وتحفز على الإستكشاف، القراءة نورٌ وعلم، وكما قال الشاعر أحمد شوقي: ” العلم يبني بيوتاً لا عماد لها، والجهل يهدم بيت العز والكرم”.

اطلعي على أفكار تساعدك في تربية طفل يحب القراءة

تصفحي أيضاً حماية الأطفال من خطر الإفراط باستخدام التكنولوجيا

Share this article on Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on Twitter

انضمي للنقاش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *