حماية الأطفال من خطر الإفراط باستخدام التكنولوجيا

حماية الأطفال من خطر الإفراط باستخدام التكنولوجيا

كنّا أطفالاً فيما مضى، كنا نلعب ونقفز ونرقص، كان خيالنا واسعٌ وخصب، وكانت قدرتنا على ابتكار الألعاب المسلية هائلة، كنا نجمع الحجارة الصغيرة ونخترع منها لعبة تسلينا لأيامٍ وأيام، كنا نتبع الحشرات بعيونٍ فضولية لنتعلم عنها الكثير، وكنا نسرح بالغيوم مكونين منها أشكالاً و شخصياتٍ خيالية نحفظها في عقولنا ونتحدث معها في بعض الأوقات، كانت أمهاتنا تروي لنا قصص ما قبل النوم التي سمعناها مئات المرات وما مللناها، بل نقلناها ورويناها لأطفالنا في هذا الزمن.

مع تغير الأزمان وتغير الأجيال، تغيرت العادات التي إكتسبناها في طفولتنا كما وتغير أسلوب الحياة بشكلٍ عام، احتلت التكنولجيا والإنترنت حياتنا بشكلٍ واضح، وأصبح إعتمادنا وإعتماد أطفالنا عليها كبير، لهذا من المهم جداً أن نواكب هذا التطور التكنولوجي ونستفيد منه، فنحن نعمل وندرس ونتسوق ونجد كل ما نبحث عنه بسرعةٍ وسهولة بفضل هذه التكنولوجيا من الجانب الآخر، لا نستطيع إنكار أن التكنولجيا سلاحٌ ذو حدين، إذا استخدمناها بطريقةٍ خاطئة سنضر أنفسنا وأطفالنا.

نلاحظ كآباء توجه أطفالنا المبالغ به في بعض الأحيان ألى العالم التكنولوجي، فأصبح كل بيت يحتوي على العديد من الأجهزة اللوحية والهواتف والألعاب الإلكترونية الخاصة بأطفالنا، بدأ أطفالنا بالابتعاد عن اللعب الصحي، بالإنزواء بالمنزل وقضاء وقت طويل بالإستمتاع بالألعاب الإلكترونية بدل اللعب مع أقرانهم بشكل طبيعي، ضمرت مخيلة بعضهم، و بعضهم الآخر تسبب – بشكل غير مقصود- بالعديد من المشكلات الصحية والإجتماعية والنفسية لنفسه وعائلته. لهذا يقع على عاتقنا كأمهاتٍ وآباء مسؤولية حماية أطفالنا وأنفسنا من الإفراط باستخدام التكنولوجيا أو الإعتماد عليها، وتوجيه أطفالنا للعب السليم والممارسات الصحية، وتشجيعههم على الإكتشاف والمغامرة والبحث، وتحفيزهم لاستخدام مخيلاتهم وإشباع فضولهم للإستفادة من هذه الحياة والإستمتاع بها للحد الأقصى.

كأم لثلاثة أطفال لديهم ميل شديد نحو العالم الإلكتروني بكل وسائله، سأشارككم بعض النصائح التي طبقتها على نفسي وأطفالي للحد من استخدام التكنولوجيا وتقنينها، والتي عادت علينا بنتائجٍ مرضية بل ورائعة.

1| إشغال الأطفال بأبسط الأعمال المنزلية

مهما كانت هذه الأعمال بسيطة، فقضاء طفلك وقته بمساعدتك بالأعمال المنزلية، ستكسبه العديد من المهارات، ستقضي على وقت الفراغ والملل الذي يشعر به. لا اقصد هنا المساعدة الفعلية للأم من قِبَل الطفل خصوصاً إذا كان طفلك بعمر صغير، ولكن عندما نوكل لطفلنا مهام بسيطة، سيشعر بالفخر والإنجاز وسيتعلم تحمل المسؤولية في عمرٍ مبكر، وسيكتسب العديد من المهارات.

كمثال؛ في أحد الأيام طلبتُ المساعدة من ابني ذو الأربعة أعوام في إعداد الطعام، طلبتُ منه أن يناولني الخضار التي أحتاجها لهذا الطبق.

 فمثلاً طلبتُ منه ” البندورة الموجودة في الثلاجة، في الرف السفلي، البندورة ذات اللون الأحمر والملمس الناعم الطري”.

فقط في هذا الطلب لاحظي عدد المهارات التي اكتسبها الطفل! قمتُ بشكره بعد ذلك و تأكدتُ من أنه شعر بالمتعة والإنجاز من خلال هذه المساعدة البسيطة. في يوم آخر طلبتُ منه المساعدة في ترتيب الملابس أو تنظيف الغبار أو ترتيب المكتبة…الخ. كل هذا عاد بالنفع على عقل طفلي ومخيلته، وحولَّ ملله إلى متعة وبهجة.

2| تحديد أوقات معينة لاستخدام الأجهزة اللوحية أو الألعاب الإلكترونية

من المهم جداً أن تعقدي إتفاقاً مع طفلك على تحديد ساعات معينة يستطيع خلالها استخدام جهازه اللوحي، لذلك حددتُ لأطفالي ساعتين خلال اليوم (من المهم أن لا تكون خلال وقت إطعام الطفل، أو قبل نومه مباشرة، أو فور استيقاظه من النوم) مثلاً من الساعة الرابعة عصراً حتى السادسة مساءً، وتناقشتُ معهم عن المواعيد المتفق عليها، من المهم أن يكون الطفل على دراية بساعة البداية وساعة الإنتهاء، ولتسهيل الأمر فقد قمتُ باليوم الأول بضبط المنبه على الساعة السادسة (أو ساعة الإنتهاء التي قمتي بالإتفاق عليها مسبقاً مع طفلك)، وطلبتُ منهم أن يغلقوا أجهزتهم فور سماعهم المنبه، لم أتوقع منهم أن يبادروا في الأيام الأولى لهذا التمرين، ولكن حزمي في هذا الموضوع ساعد أطفالي على تقبله بسلاسة وبالتدريج. لم أستسلم لبكائهم أو دموعهم، بل إحتويتهم وشرحتُ لهم بأسلوب مبسط، أن الإفراط بهذه النشاطات ستؤثرعلى عقولهم ونظرهم وربما ستسبب لهم آلاماً في العظام. شعرتُ بالفرق يوماً بعد يوم، ولاحظتُ قدرة الأطفال الرائعة على التأقلم بكل سهولة. بادر أطفالي خلال أيامٍ قليلة بإغلاق أجهزتهم الإلكترونية دون أن أطلب منهم ذلك.

ملاحظة: عزيزتي، تشير العديد من الدراسات والأبحاث العلمية وتنبه من خطورة قضاء وقت متواصل على الأجهزة الإلكترونية، فحاولي أن تقطعي الوقت المسموح لطفلك بأي نشاطٍ آخر، كأن تناديه مثلا بعد 45 دقيقية من وقت البداية وتطلبي منه مساعدة سريعة في شيءٍ ما، أو أن تطلبي رأيه في نشاطٍ معين ستقومون به معاً كعائلة.

3| تجنب استخدام الأجهزة الإلكترونية لأوقات طويلة أمام الأطفال

عزيزتي الأم، عزيزي الأب، من غير المنطق أن نطلب ونأمر أطفالنا بترك الأجهزة الإلكترونية بينما نحن كآباء نقضي معظم يومنا عليها! مهما كان عمر طفلك، فالأطفال أذكياء، يطالبونك بإقناعهم في كل المناسبات، فمن غير العادل ابداً أن نتصفح هواتفنا طوال اليوم بينما نحدد لهم ساعاتٍ معينة، ولكن اذا كان هناك حاجة لإستخدام الأجهزة الإلكترونية أمام الطفل لأوقات مطولة، كالعمل من المنزل أو التعلم عن بعد أو شراء حاجات المنزل أو حتى القراءة إلكترونياً، فلا ضير من أن تشرحي لطفلك أن عملك أو دراستك يتطلب منك قضاء وقت مطول على هذا الجهاز أو ذاك، فأنا أقضي وقتاً مستخدمة جهاز القراءة الإلكتروني الخاص بي، لذلك أرى أنه من واجبي التبرير لطفلي أو السماح له برؤية ذلك بأم عينيه إذا طلب ذلك.

نحن القدوة الأولى لأطفالنا، يقلدون تصرفاتنا ويتقمصون شخصياتنا، يحتاجون للحوار والإقناع دائماً، ويستحقون أن نضحي ببعض العادات في سبيل مصلحتهم ونموهم العقلي والنفسي السليم.

4| قضاء الوقت الكافي مع الأطفال

من أكثر العادات التي تعزز نمو الطفل وتنمي ثقته بنفسه هي قضاء الأهل الوقت الكافي والمثمر معه يومياً، سواء كان ذلك بالتحدث أو اللعب معه، أو القراءة له، أو ممارسة نشاطات داخلية أو خارجية بصحبته، أو الإجابة عن اسئلته وإستفساراته، كما يجب الحرص خلال هذا الوقت على أن نصب كل اهتمامنا على الطفل، وأن نكون الأذان الصاغية له، وأن نحاول تعليمه مهارات جديدة من خلال اللعب.

كأم غير عاملة، أنا محظوظة لقضائي معظم يومي مع أطفالي، ولكي نستثمر هذا الوقت الطويل في نشاطاتٍ مفيدة ومسلية، أقوم وأطفالي بتحديد نشاطاً معيناً أو لعبة نلعبها كل يوم سوية، فأرسمُ جدولاً واضحاً يضم نشاطاً أو لعبة اليوم، فيوم الأحد يوم الألعاب اللوحية، يوم الاثنين سنخرج لتناول البوظة، يوم الثلاثاء سنذهب إلى الشاطيء، يوم الأربعاء يوم شراء البقالة، ثم يوم الفنون فيوم الإجتماع مع العائلة والأصدقاء وهكذا، في أغلب الأوقات أسمح لأطفالي بتحديد نشاطات معينة يرغبون بالقيام بها في أيامٍ محددة خلال الأسبوع.

إن أجمل الأوقات التي يقضيها أطفالنا هي الأوقات التي نتواجد فيها معهم، سألت ابنتي ذات يوم عن وقتها المفضل خلال اليوم، ليأتيني جوابها بكل براءة أن وقتها المفضل خلال اليوم هو الوقت الذي أقضيه معها سواء كان ذلك بالتحدث أو اللعب. كم كان شعوراً رائعاً ان أسمع هذه الإجابة.

4| منع أخذ أو استخدام الأجهزة الإلكترونية خارج المنزل

نرى العديد من الأطفال في المطاعم وردهات الإنتظار ومراكز التسوق والكثير من الأماكن الأخرى، مشغوليين بأجهزتهم اللوحية. البعض من الأهالي لا يدركون كم المهارات التي يضيعون فرصة تعليمها للطفل عند إعطائه أي جهاز الكتروني ليتلهى به. فبدلاً من استغلال الإنتظار في ردهة طبيب الأسنان لتعليم الطفل الانضباط والصبر واستغلال الوقت، أو إستغلال يوم البقالة لتعليم الطفل أسماء الأطعمة وأشكال الخضار أو مهارات إنفاق النقود، أو استغلال رحلة قصيرة بالسيارة لتعليم الطفل الإشارات أو آداب الحديث…. الخ، نرى البعض من الأهالي يتوجهون إلى الحل السهل، وهو وضع أي جهاز إلكتروني بين يدي الطفل، غافلين عن مدى الضرر والتأخر الذي ستطفو آثاره على سطح عقول أطفالهم في المستقبل القريب والبعيد.

اعتمدنا في منزلنا، في أسلوب تربيتنا لأطفالنا قانوناً حازماً واضحاً، يمنع إصطحاب الطفل لأي جهاز إلكتروني خارج المنزل، استبدلنا الجهاز اللوحي بالكتب والقصص وأقلام التلوين، أو أي مواد تحفز الطفل للقيام بنشاط فعلي بسيط، فإدراكنا لأهمية تفاعل الطفل مع البيئة المحيطة به، سواء بيئة داخلية أو خارجية، زاد من حزمنا ومن جهدنا في إيجاد البدائل، وساعدنا على التخفيف من الشعور بالإحراج إذا بكى أحد الأطفال خلال نشاطاتنا الخارجية، وشجعنا على تفضيل الحل الصعب على الحل السهل، مع القليل من الممارسة والتدريب والحزم والإبتكار، أبهرتنا النتائج.

5| ملء وقت فراغ الطفل

كأم لثلاثة أطفال، أحاول قدر الإمكان أن املأ وقت فراغ أطفالي بالعديد من الأنشطة الداخلية أو الخارجية، أحاول أن أحول أبسط المكونات لموادٍ للنشاط، فأحول القليل من حبوب الفاصولياء والعدس الى نشاط فني مستعينة ببعض الأوراق واللاصق، أو بعض الخيوط الملونة مع حبوب الافطار لصنع أجمل الحُلي، العديد من المكونات البسيطة ذات التكلفة المنخفضة موجودة بمنازلنا بشكل دائم، أطلقي العنان لأفكارك وأطلقي العنان لإبداع طفلك.

املأي فراغه بالبيت باللعب والابداع والتجارب، بالقراءة، بالضحك والرقص، بالحب والاحتواء.

أما بالنسبة للنشاطات الخارجية، فإذا استطعتي تحمل نفقة النوادي الرياضية أو الموسيقية أو الفنية، فمن الرائع أن يلتزم طفلك ببعض هذه النشاطات التي ستملأ فراغه، وتطور مهاراته وهواياته وتثري وقته.

العديد والعديد من الأمثلة والخيارات المتاحة سواء بتكلفة أو بدون، كل ما نحتاجه القليل من الجهد والصبر لنحافظ على أطفالنا من خطورة الإفراط باستخدام التكنولوجيا

أطفالنا محظوظون لوجودهم في هذا الزمن (زمن التطور التكنولوجي)، ولا ضير أبداً من مواكبة هذا الزمن، وإستفادتهم واستغلالهم للخيارات المتاحة أمامهم، دعونا لا نصرعلى تربية أطفالنا كما ربانا آباؤنا، فقد خلقو لزمانٍ غير زماننا، ودعونا لا نسمح للتكنولوجيا أن تخطف أطفالنا منا، لنكن وسطاً في جميع الأمور، نحزم عند الحاجة ونتساهل عند الحاجة، فنحن من سنعد جيل المستقبل، فلنبذل قصارى جهدنا بأن نعد جيلاً مثقفاً واعياً متعلماً صبوراً حنوناً طيب الأعراقِ.

Share this article on Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on Twitter

انضمي للنقاش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *