يوميات امرأة ذهانية: الجزء الخامس من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

يوميات امرأة ذهانية: الجزء الخامس من قصة واقعية عن أثر اكتئاب ما بعد الولادة

هذه القصة حقيقية من وحي تجربة والدة آمال مع اكتئاب ما بعد الولادة وآثاره عندما يترك بدون علاج. نرجو أن تقوم هذه السلسلة من القصص على زيادة الوعي بقضية اكتئاب ما بعد الولادة وأهمية العناية بالصحة النفسية للمرأة.

البيت يصنع جماله من يقاسموننا الإقامة فيه. البيت ولو كان قصر دون أم هو قبر، ودون أب هو قبر ملغوم بالجمر.

أحياناً ظروف الحياة قد تجبر الأب والأم أن يتخذوا قرارات قد يظنون أنها تصب في مصلحة أولادهم وإنها الأصح لتأمين مستقبلهم. تماما مثلما عندما قرر والدي وبقرار عشوائي أن يودعنا لنذهب ونكمل باقي حياتنا في بلد آخر وهو سيعيش لوحده لإكمال عمله وتامين قوت الحياة لنا. وحسب رؤيته ظن أن حياتنا في الاردن مع العائلة بعيداً عن حياة الغربة سوف تكون أفضل.

لن أنسى يوم وداعنا وتوديعنا له، الساعة 2:00 ظهرا. كانت عيونه مليئة بالدموع، وكأنه لن يرانا مرة أخرى، وكأنه الوداع الاخير. صرخنا، وبكينا راجين منه ألا يبعدنا عنه، لكنه كان صامتا. أبي رجل يحب منزله كثيرا واهل بيته. ولا يستطيع أن يعيش بوحدة لكنه حسب ظنه بهذا القرار أنه يفعل ما هو صحيح لنستطيع اكمال حياتنا بتوازن.

وصلنا للأردن وكانت عمتي اطال الله عمرها بانتظارنا. حضرت لنا بيت صغير متصل مع بيتها، واستقبلتنا استقبال حار. وبدأت تشرح لنا عن نظام حياتنا الجديد وعن مدرستنا الجديدة، وانا واخوتي نستمع بصمت.

أين نحن، ولماذا جئنا هنا؟ وأبي، كيف هان عليه تركنا؟

أقام والدي بسكن داخلي للشركة التي كان يعمل بها. كان يزورنا كل ستة أشهر اسبوعين فقط.

عمتي سيدة بالأربعين من عمرها غير متزوجة، كانت طيبة وتحبنا كثيرا اعتبرتنا أولادها بما أنها لم يكرمها الله أن تصبح أم. وكان بيننا فجوة ثقافية كبيرة بالأفكار والآراء وطريقة الحياة.

لطالما حاول والدي تعويضنا عن غياب امي العقلي في حياتنا، كان يميزنا بأمور نحبها ولم يكن يفرق بيننا أبدا. ولكن عند عمتي كان الوضع مختلف تماماً. فبحكم قوانينها منعت عنا التلفاز وأوجبت النوم قبل التاسعة. وهي من اختارت مدرستنا. وزينا المدرسي.  وكانت تتولى موضوع اجتماعات أولياء الأمور في المدرسة.

 أما والدي فكان يأتي أسبوعين كنا نشمه لنحفظ رائحته ولكن أربعة عشر يوما لم تكن كافية لحفظ رائحته والشبع منها.

انا واخوتي ستة أولاد يعيشون في بيت مغتربون فيه عن بعضهم، يتكتمون على همومهم. كنا نبلع الغصة والشوكة التي بحلقنا كل مرة تنزف قهرا وتتجمع بالقلب.

وامي.. آخ يا امي..

 كانت مسافرة بعالمها الخاص لم تبد سعيدة ولا حزينة. لم تكن تشكو ولا تتذمر كانت ترضى بأبسط الأشياء. تضحك مع نفسها وتحزن لوحدها. وتتمتم بينها وبين نفسها بتمتمات خاصة وحوار خاص. وكانت أغلب الاوقات تعيد أحداث حياتنا وترددها بهمس بينها وبين نفسها.

لا يمكن أن أجد كلمات تصف حالنا في هذه السنوات.

لكنني يمكنني اختصارها ب كلمة واحدة “ضعنا”..” تهنا بالعتمة”..

كل يوم كان يجب علينا أن نشعر بالامتنان للعالم للناس للجيران للأهل لأنهم يهتمون بلبسنا وشربنا وطعامنا.

كان دور أمي معدوم.

كانوا يحاولون نفيها ونفي دورها..

بأي شكل بقصد أو بدون قصد..

كأنها خيال غير مرئية..

رأيها لا يسمع..

وكل ما تقوله غير مهم..

بلغت سن الرابعة عشر وأختي تكبرني بثلاث سنوات عمرها سبعة عشر.

كان لدينا مخزن في المنزل وضعنا فيه كل الاثاث واغراضنا التي شحنت من الامارات للأردن لم نفكر بتعزيلها سابقا ومضت ثلاث سنوات على ذلك. قررنا تعزيله للتخلص من الكراكيب، وأثناء تنظيفنا للأشياء وجدنا حقيبة كبيرة مرتبة تحتوي على ثلاثون شريطا تقريبا من اشرطة الكاسيت القديمة.

جلسنا أنا وإخوتي الخمسة بغرفتنا، وبدأنا الاستماع للتسجيلات. أتعلمون ما هذه التسجيلات؟!

إنها رسالة الله لنا.. إنها جواب على جميع أسئلتنا. هذه التسجيلات التي حولت أمي من حالة نخجل بها إلى أم عظيمة نفتخر بها..

كانت لدى أمي عادة وهواية أن تقوم بتسجيل يومياتنا وعاداتنا على اشرطة.. فكانت تفتح خاصية التسجيل كل يوم بيومه لساعات لتسجل أول سورة قرآن حفظناها، وأول كلمة تعلمناها، وأول انشودة في المدرسة..

 كيف كانت تحفظنا دروسنا، كانت تدلعنا وتحبنا. يا الله..

كأنها كانت تودعنا بهذه الاشرطة لتترك روحها في هذه التسجيلات لأولادها..

جلسنا أكثر من ثلاث ساعات نعيد التسجيلات..

كانت أمي طبيعية انسانة عادية كانت أم تقوم بكامل واجباتها. كانت طيبة، وكانت تحفظنا قرآن. ولم تخطئ بحق أحد فهي انسانة مشرفة طاهرة صافية النية.

سمعناها التسجيلات وجلسنا معاً..

كم سألناك يا الله أن تجيبنا عن أسئلتنا، وكم رجوناك يا الله أن تعيد الزمن لنشبع من أمنا قبل فقدان عقلها بسبب اكتئاب ما بعد الولادة. ولكنك لم تبخل علينا بالإجابة يا الله حاشاك أن ترد عبدك خائبا..

وأعطانا ربنا الدليل الذي يسكت كل من يتطاول على أم خذلها عقلها. أمي هزمها مرض الذهان بعقلها الناجم عن اكتئاب ما بعد الولادة لكن لم يقدر بخبثه على طهارة قلبها. وكان من ضمن أغراضها كتاب لتعليم الطبخ كانت أمي فنانة طبخ. وأيضاً كانت تقضي وقتها بالتطريز والخياطة. وكانت تعمل مكرميات. وأكثر من ١٠٠ ألبوم صور موثقة فيه ولادتنا من المشفى للرضاعة لأول سنوات الطفولة. صور جميعها تضج حنية وحب صور تشع أمومة..

وهنا كانت لنا ولادة جديدة، وبداية جديدة. وجاء دور الأم الثانية عرابة الحب، السند الكبير التي غيرت كل مجرى حياتنا، أختي الكبيرة توأم روحي. تعلمنا الطبخ من كتاب أمي الخاص، وأصبحنا مسؤولات بشكل تام عن أكل إخوتي. ونسقنا وقتنا بين الدوام والمطبخ..

قربنا أمي من إخوتي أكثر، لم نعد نخاف منها، ولم نعد نشعر بانها هم. فصارت معجزتنا! نعم معجزتنا، ورحمتنا، وشغفنا، ومصدر حياتنا. وممنوع ممنوع المس بهذه البركة ممنوع جرحها او ذمها. تقبلناها كما هي عشقناها بكل حالاتها. صارت لها الأولوية بحياتنا. وصار عندنا طفلة أمومة مسؤولة منا جميعا.

تخلصنا من كل تسجيلات الصوت وقررنا أن نحرق الكتاب. كل شيء مر في حياتنا حرقناه. وقررنا أن نبدي بكتاب جديد، وسطر جديد.

وهذه المرة سنكتب قدرنا بيدنا، وسيكون قدرنا السعادة بإذن الله، مرفوعين الرأس بعنوان عريض: معجزة بركتنا

ومن هنا بدأت رحلة البحث عن العلاج وأفضل الأطباء النفسيين.

يتبع…

Share this article on Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on Twitter

انضمي للنقاش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *